... و رجعت للدار الكئيبة |
للشبابيك التي أوصدتها قبل الذهاب |
لأريكة في الركن يعلوها التراب |
لتراثي الشعري |
للجرح الفتي |
لألف ألف تساؤل عدم الجواب |
لمرابع الأمس الجميل الوادع |
قد عدت أبحث في الزوايا الغاليات |
عن الرجاء الضائع |
و رجعت ... ماذا قد تبقى |
من زماني الرائع؟ |
و رجعت ... هل هل من مكان |
في الربوع الباقيات لراجع ؟ |
قد عدت من بعد اغتراب |
لشذى التراب |
لعواصمي و عوالمي المترامية |
لدنى النشيد الغالية |
للأغنيات المرجآت ككل شيء |
كل شيء |
في حياتي الذاوية |
لليل و السهر الطويل |
لشرفتي و سمائيه |
قد عدت يسكنني العذاب |
و غربتي بين الجوانح نامية |
لوجوه أهل قد تركتهم هنا |
لعيون أحباب تعيش على المنى |
لأب و أم يشربان من الدموع |
و يأكلان من الضنى |
و لصبية |
هل يذكرون، إذا رأوني، |
من أنا ؟ |
قد عدت بعد طواف كل خرائط الحلم |
و مدائن الوهم |
صفر الجراب. |
ما بالحقائب غير شعر شاحب |
يدنو و يبعد كالسراب |
و دفاتري |
و ملابسي |
و جريدة يومية و كتاب |
و دمى و ألعاب هدايا للصغار |
و سني عذاب و انتظار |
و روائح البحر الندية |
و بقية من وجه لندن ، بعد ، |
يحجبه الضباب |
قد عدت يا ولدي |
من بعد أن طوفت أرض الله |
من بلد إلى بلد |
و رحلت من كمد إلى كمد |
و جريت في أثر الدثار |
و لقمة العيش العصية |
اليأس يدفعني... |
و البؤس يدفعني... |
و العيشة الجدباء تدفعني ... |
و مطالب الأطفال تدفعني... |
للعالم المخضر و الأرض السخية. |
طاردت آمالي العطاش |
و للشقاء فتحت بابا . |
إني لأذكر |
يوم أن ودعت |
طيفك و الأحبة والصحابا |
و العطر عطر الأرض |
و الشجر المسالم |
و المنازل |
و المآذن |
و القبابا. |
و وقفت أنت على الرصيف مودعا |
و وقفت و المنديل في كفيك |
للحزن استجابا. |
إني أخذت بمسمعي |
يوم الفراق |
صراخك المحموم : " بابا " |
و أخذت في عيني وجهك دامعا |
و أخذت لهفتك الذبيحة |
و العتابا |
صور و أصوات تفجر لوعة |
و تسيل صابا |
قد كن دوما حاضرات |
يسبحن فوق الذكريات |
يجرين في سمعي |
و في خلدي |
و على العذاب يزدن أضلاعي عذابا |
أنا ما نسيتك لحظة ولدي الحبيب |
أترى نسيت أباك و الزمن الرطيب |
و ليالي الأنس الشهية |
و الأغاني |
و الحكايات القديمة تنثر السحر العجيب؟ |
أ و ما تزال ـــ كما تركتك ـــ طائشا |
طيش الطفولة .. |
ضاحكا ... عذب الظلال |
جذلا .. لعوبا.. باهرا ... |
كالشعر تسبح في الخيال؟ |
أ و ما تزال على سجاياك النبيلة |
طاهرا .. عف المقالة و الفعال ؟ |
أ و ما تزال تخاف من غول الجبال |
و تصيح " بابا " باكيا .. أ و ما تزال؟ |
أم كف أن العمر أطفأت الخلال الرائعات |
و طوت عيونا بالعذوبة طافحات |
فكبرت .. و امحت الطفولة |
في الملامح و الصفات |
و غدوت ـــ يا أملي السليب ـــ |
عني غريب الوجه... أو مثل الغريب. |
قد عدت يا ولدي الحبيب |
مثل الطيور العاشقات |
العائدات بعيد رحلتها الطويلة |
في ريشها المغبر آثار السفر |
عطشى لرائحة المطر |
و لنسمة الريح العليلة |
و لصدر أغصان الشجر |
قد عدت من سفري الطويل |
و على الكواهل |
عمري المصفر كالجسد العليل |
و كمثل غابات النخيل |
في كفي اليمنى : ابتسامات |
و أحلام |
و أشعار ظماء |
و بأختها : خفا حنين |
و اعتلال مزمن |
و قرى هباء. |
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق